سيد قطب
3509
في ظلال القرآن
ذلك التقرير العميق لحقيقة حضور اللّه وشهوده في تلك الصورة المؤثرة المرهوبة تمهد لتهديد المنافقين ، الذين كانوا يتناجون فيما بينهم بالمؤامرات ضد الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وضد الجماعة المسلمة بالمدينة . مع التعجيب من موقفهم المريب : « أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ ، وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ ، وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ، وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ : لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ ! حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ » . والآية توحي بأن خطة رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - مع المنافقين في أول الأمر كانت هي النصح لهم بالاستقامة والإخلاص ، ونهيهم عن الدسائس والمؤامرات التي يدبرونها بالاتفاق مع اليهود في المدينة وبوحيهم . وأنهم بعد هذا كانوا يلجون في خطتهم اللئيمة ، وفي دسائسهم الخفية ، وفي التدبير السيئ للجماعة المسلمة ، وفي اختيار الطرق والوسائل التي يعصون بها أوامر الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - ويفسدون عليه أمره وأمر المسلمين المخلصين . كما أنها توحي بأن بعضهم كان يلتوي في صيغة التحية فيحورها إلى معنى سيّئ خفي : « وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ » . كأن يقولوا - كما كان اليهود يقولون - السام عليكم . وهم يوهمون أنهم يقولون : السلام عليكم . بمعنى الموت لكم أو بمعنى تسامون في دينكم ! أو أية صيغة أخرى ظاهرها بريء وباطنها لئيم ! وهم يقولون في أنفسهم : لو كان نبيا حقا لعاقبنا اللّه على قولنا هذا . أي في تحيتهم ، أو في مجالسهم التي يتناجون فيها ويدبرون الدسائس والمؤامرات . وظاهر من سياق السورة من مطلعها أن اللّه قد أخبر الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - بما كانوا يقولونه في أنفسهم ، وبمجالسهم ومؤامراتهم . فقد سبق في السورة إعلان أن اللّه قد سمع للمرأة المجادلة ؛ وأنه ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم . . إلخ . مما يوحي بأنه أطلع رسوله على مؤامرات أولئك المنافقين وهو حاضر مجالسهم ! وبما يقولونه كذلك في أنفسهم . ثم رد عليهم بقوله تعالى : « حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ » . وكشف هذه المؤامرات الخفية ، وإفشاء نجواهم التي عادوا إليها بعد ما نهوا عنها ، وكذلك فضح ما كانوا يقولونه في أنفسهم : « لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ » . . هذا كله هو تصديق وتطبيق لحقيقة علم اللّه بما في السماوات وما في الأرض ، وحضوره لكل نجوى ، وشهوده لكل اجتماع . وهو يوقع في نفوس المنافقين أن أمرهم مفضوح ، كما يوحي للمؤمنين بالاطمئنان والوثوق . وهنا يلتفت إلى الذين آمنوا ، يخاطبهم بهذا النداء : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » لينهاهم عن التناجي بما يتناجى به المنافقون من الإثم والعدوان ومعصية الرسول ، ويذكرهم تقوى اللّه ، ويبين لهم أن النجوى على هذا النحو هي من إيحاء الشيطان ليحزن الذين آمنوا ، فليست تليق بالمؤمنين :